متوسطة الثامرية
03-21-2008, 07:39 PM
مما لا شك فيه أن القدوة عنصر مؤثر من عناصر التربية والتوجيه، حيث أنها أكثر الوسائل والقنوات التربوية تأثيراً، لأنها تكون عن اقتناع، وعن إعجاب، وعن حب، فالتأثر بها أكثر من التأثر بالتلقين المجرد، لأن التلقين المجرد قد لا يكون معه اقتناع داخلي، ولكن القدوة لا تكون إلا مع الاقتناع التام، ولهذا فإنها أشد إمضاءاً من التلقين، وأكثر أثراً، وأبقى في النفس، وأدعى إلى توجيه سلوك هذا المقتدي. وسوف نتعرف ابتداءً على معنى القدوة، فنقول وبالله التوفيق: القدوة هي الاسم من الاقتداء، وكلاهما مأخوذ من مادة (ق د و) التي تدل على إقتياس بالشيء واهتداء. قال الجوهري: القدوة بالكسر: الأسوة، يقال: فلان قدوة يُقتدى به. وقال الشنقيطي في أضواء البيان: الأسوة كالقدوة، وهي إتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو قبيحة. ويقـول الشيخ السعـدي : الأسوة نوعان؛ أسوة حسنة، وأسوة سيئة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (الأحزاب: 21). قال القـرطبي في تفسيره : الأسوة القدوة , والأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به فيقتدي به في جميـع أحواله. وأعظم القدوات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة المطلقة، فكل ما يفعله أو يقوله أو حتى يتركه هو محل أسوة وقدوة. فالاقتداء هو طلب موافقة الغير في فعله, وإتّباع شخصية تنتمي إلى نفس القيم التي يؤمن بها المقتدي، وعادة ما يمثل شخص المقتدَى به قدراً من المثالية والرقي والسمو عند أتباعه ومحبيه, والقدوة تنطوي في داخلها على نوع من الحب والإعجاب الذي يجعل المقتدِي يحاول أن يطبق كل ما يستطيع من أقوال وأفعال. ولا يمكن بحال أن يكون الاقتداء إلغاءً أو مصادرة للرأي والإرادة، أو ممارسة لضغط ما, أو قسر المقتدي على أمر معين؛ لأن الاقتداء منطلق من قناعة صاحبه؛ فهو جزء من إرادته وكيانه. وهناك نوع ثان من القدوة دون ذلك، فيُقتَدى به في جانب دون آخر, كالصحابة رضي الله عنهم والتابعين, والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم, فهؤلاء قدوة، لكنها ليست مطلقة كالنبي صلى الله عليه وسلم. وثمة نوع ثالث من القدوة, وهو القدوة الواقعية الحيّة, ولكن ليس بالضرورة أن تكون هذه القدوة الواقعية مثالية كاملة من كل ناحية، فقد تجد في الحياة من يمكن أن يُقتدى به في إنجاز معين, أو تطور, أو خبرة, أو صفة من الصفات, ولو كان مخفقاً في صفة أخرى. فلا يلزم أن يكون أنموذجاً ومثالاً كاملاً راقياً في كل جانب لكي يُقتدى به , بل يكفي أن يكون قدوة واقعية في بعض الجوانب. والإنسان محتاج إلى شخصية يعجب بها ويقتدي بأفعالها وسلوكها, إما في جزء من حياته، أو في حياته كلها. ولا يكاد يخلو كتاب في التربية من إيراد القدوة كإحدى الوسائل المهمة لفعاليتها، ففي دراسة أجريت على 446 شاباً و 94 فتاةً تبين أن 75% يرون أن وجود القدوة مهم جداً. ومما يدل على أهميتها وجود تلك الغريزة الفطرية الملحة في كيان الإنسان التي تدفعه نحو التقليد والمحاكاة، وخاصة الأطفال، فهم أكثر تأثراً بالقدوة إذ يعتقدون أن كل ما يفعله الكبار صحيحاً. وقد ورد في موسوعة العناية بالطفل: أن الطفل يبدأ في سن الثالثة يدرك بوضوح أكثر أنه من الذكور، وأنه سيصبح يوماً ما رجلاً كأبيه، وهذا ما يحمله على الشعور بإعجاب خاص بأبيه وبغيره من الرجال والصبيان، إنه يراقبهم بدقة ويسعى جاهداً للتشبه بهم في مظهره وسلوكه ورغباته. وإن صاحب العلم (الشيخ - المعلم) ذو مكانة كبيرة في الناس، ومن هذا شأنه فهو حري أن يؤخذ منه ويُهتدى بهديه وكيف تكون قدوة صالحة بلا علم. يقول الشاعر: تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو جهل كمن هو عالم وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليـه المحافـل وللعلم تأثير على اكتساب المعالي من الصفات، وفي تهذيب الأخلاق، ولا تجد أحداً رزق الإخلاص والعلم إلا تجده كريم الخصال عظيم الفعال محمود السيرة مرضي الخليقة. والعلم بلا عمل كما قيل: والعلم ليس بنافع أربابه مالم يفد عملاً وحسن تبصر وتكمن أهمية القدوة في العملية التربوية للأسباب التالية: 1.إن القدوة الحسنة تثير في نفس العاقل قدرًا كبيرًا من الاستحسـان, فتتهيج دوافع الغيرة لديه، ويحاول تقليد ما استحسنه وأعجب به. 2.إن القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة. 3.إن مستويات الفهم والكلام عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين المجردة لمثال حي، فإن ذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد المربي إيصالها للمقتدي. 4.إن الأتباع ينظرون إلى القدوة نظرة دقيقة دون أن يعلم، فرب عمـل يقوم به لا يلقي له بالاً يكون في حسابهم من الكبائر. وتعد تربية الطلاب في مدارسنا من خلال القدوة من أقوى الوسائل في تعويدهم فعل الخير، لأن الناشئ يتعلم من الأعمال أكثر من الأقوال، بل إن التلقين لا يكاد يثمر الثمرة المطلوبة في وجود الفعل المخالف، ولهذا كان بعض الآباء يرسلون أبناءهم لمن يظنون فيه الصلاح لتربيته وليستفيد الولد من نموذج حي يعمل بما يقول. ومن هذا المنطلق سوف نتناول في حديثنا عن القدوة لعنصرين مهمين من عناصر التربية والتعليم ألا وهما (المعلم - والمرشد الطلابي) أولاً: المعلم: أعلم أخي وعزيزي المعلم: إن كثيراً من السلف يذهبون إلى حلق بعض العلماء لا ليطلبوا العلم وإنما ليستفيدوا ويكتسبوا الأخلاق الفاضلة. وحسن الخلق يشمل أموراً كثيرة، من أهمها: الصدق في القول والعمل، واللين، وحسن الاستماع، والبشاشة عند اللقاء، والتودد. ولكل صفة من هذه الصفات تطبيقاتها سواء في تربية الأولاد في البيت أو المدرسة، وسواء كان التعامل مع الصغار أو الكبار. وكان السلف رحمهم الله لا يأخذون العلم إلا ممن يعمل بعلمه، قال إبراهيم النخعي: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذون عنه. فيحسن بك أخي المعلم الكريم أن تكون قدوة صالحة لطلابك، في عبادتك، وفي تعاملك، وفي سلوكك. إن التناقض بين القول والعمل، والظاهر والباطن، وازدواجية التوجيه وتناقضه، كل ذلك من أكبر مشكلات الجيل المعاصر. لذا يقول الإمام الشافعي رحمة الله موصياً مؤدب أولاد الخليفة الرشيد: "ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تكرهه". وها هو ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبِّخ نفسَه". ويرى الغزالي أن الوظيفة الثامنة للمعلم: "أن يكون عاملاً بعلمه، فلا يكذب قوله فعله؛ لأن العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العلم العمل منع الرشد، وكل من تناول شيئاً وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم مهلك، سخر الناس به، واتهموه، وزاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون: لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به. فالمعلم الذي يتحدث لطلابه عن أهمية الصلاة والمحافظة عليها، وحين يصلّون في المدرسة يرونه في آخر الصفوف أو الذي يحث طلابه على الالتزام بالمواعيد وأهمية الوفاء بها، ثم يحضر إلى دروسه متأخراً يمحو بتصرف واحد عشرات الأقوال التي يصبُّها في آذانهم. وكما يجب أن يكون المعلم قدوة لطلابه، يجب أن يكون مثالاً ونموذجاً يُحتذى به من قبل زملائه في المهنة، ولعلنا نسأل أنفسنا سؤالاً مهمًا من أين تأتي المثالية في التعليم؟ وماذا تعني؟ فهناك آلاف من المعلمين الذين ينضمون إلى سلك التعليم في كل عام، ولكن أين المتميزون فيهم؟ إن المعلم المثالي هو الإنسان المبدع الذي يستطيع أن يفهم محتويات مادته ثم يعرضها بكل سهولة ويسر بعيدًا عن الحشو أو الإسهاب الذي لا فائدة منه. والمعلم المثالي يؤمن برسالته ويستطيع من خلال أدائه لها أن يترك بصمة في أذهان التلاميذ. يؤمن أنه ليس هناك طريقة واحدة للتدريس ولكن هناك طرائق متعددة، فهو يبحث عنها لكي ينشطها ويفعلها، فهو يؤمن بمبدأ الإبداع وتنمية الفكر. إنه يسعى إلى طرد روح السآمة والملل من نفوس الطلاب، وهذه تحتاج إلى مزيد من التجديد والابتكار. إنه يقوم ببناء شخصية الطالب بعيدًا عن أسلوب التوبيخ، ويجعله يعتمد على نفسه ويعينه على مجابهة ظروف الحياة ومحاولة التغلب عليها. كما أن المعلم المثالي يسعى إلى الابتعاد عن النمطية ويحاول أن يجعل الطالب يتوقع كل يوم شيئًا جديدًا. يستطيع أن يمزج بين الرسميات وغير الرسميات بين النشاط الصفي واللاصفي. إن رعاية الطالب والوصول به إلى أعلى المثل والقيم هي من صميم أهداف المعلم المثالي. إنه يلاحظ جوانب ونقاط الضعف لدى الطالب ويسعى جاهدًا إلى التعديل والتصحيح بخطط واستراتيجيات مناسبة ومدروسة، وفي نفس الوقت يقوم بتعزيز وتدعيم جوانب القوة لديه. وهكذا عزيزي المعلم تكون قدوة لطلابك ونموذجا رائعاً وفريداً لزملائك المعلمين. ثانياً: المرشد الطلابي: أعلم أخي وزميلي المرشد الطلابي أن الإرشاد موقف تفاعلي بين مرشد متخصص يمكنه أن يتعرف على القضايا أو المشكلات التي يعرضها المسترشد ويعمل على حلها. ويعد المرشد في هذا الموقف بمثابة المعلم، هدفه الأساسي من العملية الإرشادية (التعليمية) مساعدة المسترشد على التغيير والوصول به إلى مستوى أفضل في حياته. ويحتاج العمل الإرشادي على مجموعة من المهارات أو الخصائص والصفات التي ينبغي توافرها في المرشد ليقوم بهذا العمل على خير وجه، ومنها: أن يكون قدوة، وبمصطلح إرشادي، أن تكون متطابقاً. وخاصية التطابق أو مهارة التطابق تعنى أن يكون المرشد أميناً مع نفسه ظاهره كباطنه وسره كعلانيته، وأن عمله مصدقاً لقوله، والتطابق صفة لازمة للصحة النفسية، وهي أيضاً لازمة للمرشد في عمله حتى يكون مؤثراً وقادراً على السير بالعملية الإرشادية لتحقيق أهدافها. ويشير كوري(Cory, 1995) بأنه من خلال هذا التطابق، فإن المرشد يعتبر بمثابة نموذج للكائن البشري الذي يكافح نحو الواقع والحقيقة، وكون المرشد حقيقياً ربما استلزم الأمر بان يقوم بالتعبير عن غضبه وإحباطه، ورغباته واهتمامه، وما يعانيه من ضجر وضيق وغيرها من المشاعر في العلاقة الإرشادية. فالمرشد كما أشرنا آنفاً يدير موقفاً تعليمياً فيه المسترشد، ومجموعة المسترشدين وهم طلاب المدرسة يتعلمون منه وعنه، وهم ينظرون على عمله بقدر ما يصغون إلى كلامه، إنهم يرونه يتحرك في المدرسة ويقارنون بين ما يقوله وما يفعله. فإذا كان المرشد أصيلاً صادقاً أميناً ومباشراً في اتصاله بالمسترشدين فإن استجاباته اللفظية (أقواله) تكون متمشية مع روود فعله الداخلية ومع استجاباته غير اللفظية حينها يكون متطابقاً، وهنا تزداد ثقة المسترشدين فيه ويقوى تأثيره فيهم، بل ويكون هو نفسه كشخص متحرك في المدرسة نموذجاً يحتذى به من قبل الطلاب. أما إذا كانت أقواله في واد وأعماله في واد آخر فإنه سيكون في نظر المسترشدين شخصاً زائفاً يقول مالا يفعل ويفعل غير ما يقول، وتلك خصلة ذمها القرآن الكريم، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ﴾ (الصف: 2-3). ويقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ﴾ (البقرة: 44). وقديماً قال الشاعر العربي: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم وختاماً رزقنا الله وإياكم الصدق في القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى اللهم وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك وقدوتنا من خلقك محمد بن عبد الله وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. بتصرف/ محمد زغيبي إدارة التربية والتعليم بمحافظة صبيا.